بناية الموت

بقلم الأسير: ليلي أبو رجيلة

 منطق سليم يدعي أن التنافس والتنوع وزيادة العدد والانتشار الواسع لتلك المؤسسات والمنظمات والجمعيات الحقوقية لا بد أن يُفضي إلى جودة أفضل في المنتج والخدمة وأن يعم بالفائدة والخير على الفرد والإنسانية جمعاء، يهنئ بتلك الفائدة الفرد من خلال ممارسته العيش بكرامة وحرية بينما تتغنى تلك المؤسسات الحقوقية بالشعارات الرنانة المدافعة عن حرية الفرد وحقه بالعيش في الكرامة وعدم المس بإنسانيته نرى أننا ما زلنا بعيدين جداً عن قدرة تلك المؤسسات بالتأثير في دوائر القرار السياسي لتلك الجهات التي لا تعير اهتماماً ولا اعتباراً لحياة الإنسان وكرامته وحقه في العيش بطريقة إنسانية تحفظ له حقوقه وللأسف هذا التأثير لا زال بعيد ولا يتناسب وحجم وعدد وضخامة تلك المؤسسات فلا يوجد على وجه هذه  البسيطة قانون وضعي واحد يعطي الحق لأياً كان بنزع الصفة الإنسانية عن أي فرد كان تحت أي ظرف أو سبب كان، إلا أننا نحيا في عالم مختلف مغاير لكل الحقائق والوقائع عالم تطغى فيه شعارات الحياة فيسكن في ثناياها الموت الأسود يفرض فيه القوي شروطه ويسلب الآخرين حقهم حتى برؤية الشمس إلى حدٍ أصبح يتفنن في أساليب إرهابه لتلك الفئة المستضعفة والتي لا حول لها ولا قوة “مستشفى سجن الرملة” أو كما يطلق عليه “مراش” وحتى لا يتوهم السادة عندما نقول مستشفى، فقد أطلقنا عليها اسم بناية الموت بناية تتكون من ثلاث طوابق مظلمة يقطن الأسرى المرضى الطابق الثاني وهو عبارة عن غرف لزنازين مختلفة الحجم أربع غرف تختلف في حجمها مما يجعل عدد الأسرة فيها مختلف فمنها من يحتوي  على عشر أسرة ومنها الثمانية وأخرى ستة، وهذه الأسرة هي عبارة عن طابقين وليست كالتي تعتقدون، في المشفى يقيم في هذا الطابق مجموعة من الأسرى المرضى بشكل دائم لأنه لا يسمح بتواجدهم في أقسام السجون العادية لصعوبة أوضاعهم الصحية تدعي مصلحة السجون أن وجودهم هناك من أجل متابعة حالتهم وتقديم العلاج ولأن الظروف المعيشية هناك أفضل، غير أن هذا الإدعاء باطل وغير صحيح نهائياً، فبناية الموت كما أسميناها الداخل منها مفقود والخارج منها مولود فالأسير المريض الذي يقبع في ذلك المكان ما عليه سوى انتظار دوره بالموت فهذا المريض لا يتلقى سوى المسكنات وبعض الأدوات الطبية لمساعدة حياته على الاستمرار فقط، يفتقر هذا المكان إلى أدنى مقومات العيادات الطبية فلا يوجد معدات ولا أدوات ولا حتى أطباء مختصين أو غير مختصين وتكتفي إدارة السجون بتواجد  بعض الممرضين التابعين لشرطة السجن للتواجد في هذا المكان، أما الطبيب فتكون له زيارة كل فترة للتوقيع على قائمة الحضور، يفتقر هذا المكان إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية فلا متنفس لهؤلاء المرضى يخرجون إليه ليحركوا ما بقي من أطرافهم لأن ذلك ممنوع عليهم محرم على أمثالهم فما عليهم إلا البقاء على السرير ممددين منتظرين منتظرين.

لا تتحدث عن مريض سيغادر المستشفى بعد أيام أو أشهر ولا حتى سنوات وعندما نقول أن هؤلاء لا يرون الشمس فنحن لا نبالغ وإنما هي إحدى الحقائق التي يعانون منها فقط، فنزهة هؤلاء على سريرهم وغرفة طعامهم التي يتناولون فيها وجباتهم أيضاً على سريرهم ومكان نومهم وأحلامهم أيضا على سريرهم وحتى طعامهم الذي يتناولون هو يتناسب مع ميزانية سجانهم وليس مع أمعائهم، وعندما يتحول ذكر اسم هذا المكان إلى رعبٍ لدى الأسير المريض فما علينا سوى تخيل تلك الأشباح التي تسكن ذلك المكان هياكل عظمية وأشباه أموات يتحركون داخل تلك الغرف يبحثون عن خيوط النور التي قد تخترق المكان لتدفئ أجسادهم من برد الموت القادم. ف “مراش” هي كلمة مختصرة لعبارة مكان رؤية أشباح.

أُقفلت أفواه هؤلاء الناس حتى لا يزعج أنينهم السجان، يبكون بصمت خوفاً من غضب السجان، يصرخون بهمس أين حقي كإنسان حقي  أن أعيش حقي أن أرى الشمس حقي في الموت بين أضلع أحبتي.

إلى أولئك الذين لم تُسلب حريتهم وما زالوا أحراراً في هذا العالم إلى الذين حملوا رسالة الإنسانية على عاتقهم إلى الذين لا ييأسوا من حجم الظلم وحلكة الظلام إلى الذين يؤمنون أن لنا حقاً بالعيش إلى كل من يستطيع أن يمد يده لنا  لنمسك بها، رسالة إنسانية إلى أهل الإنسانية وإلى تلك المؤسسات النابضة بالحياة  نؤكد فيها على أننا إنسانيين ونحب الحياة ومن حقنا العيش كبقية البشر رغم كل الظلام الحالي إلا أننا نرى أولئك الذين يحملون مشاعل النور قادمين نحونا فلن نيأس من رحمة الله ولا بد لليل أن ينجلي وإن تأخر الظلام.

Exit mobile version